محمد ابو زهره
490
خاتم النبيين ( ص )
أول أعمال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم 336 - استطردنا إلى الكلام في الدولة المحمدية التي أقامها رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بأمر ربه ، مشيرين إلى دعائم هذه الدولة ، غير مفصلين النظم ، ولا الأحكام ، ولكن نبين مقاصدها وغاياتها بالإشارة الموجزة المبينة ، لا بالعبارة المفصلة الموضحة ، ليعلم الناس أمرين : أولهما : أن المبادئ التي تقوم هذه الدولة عليها مبادئ تقبلها العقول السليمة التي لم تسيطر عليها الأهواء ، ولم تتحكم فيها منازع التقليد من غير تفكير ، ولا اتباع للهوى في ذاته ، وإن جعلها مستمدة من أحكام القرآن الكريم والسنة المحمدية بوحي من اللّه تعالى لا يجعلها مضطربة ، ولا مزلزلة بأهواء الناس ، وهي متفقة مع مصالح الناس ، ولقد سئل أعرابي : لماذا آمنت بمحمد عليه الصلاة والسلام ؟ فقال الأعرابي المستقيم الفكر والنفس : « ما رأيت محمدا يقول في أمر افعل ، والعقل يقول لا تفعل ، وما رأيت محمدا يقول في أمر لا تفعل ، والعقل يقول افعل » . الأمر الثاني الذي جعلنا نشير إلى هذه الدولة لرد أقوال الذين يقولون على اللّه تعالى بغير الحق ، إن الدين للعبادة ، أما الدنيا فإن الناس ينظمون أمرها ، فبينا أن العبادة للّه تعم كل طاعاته ، ومن طاعاته اتباع ما أحل وما حرم ، وما نظم . ولقد كانت التجارب الإنسانية تؤيد إقامة دولة إسلامية تمنع الظلم وتقيم الحق والعدل بين الناس . ولقد رأينا من أقدم العصور دولا تقوم ، وأخرى تهبط ، والرعايا ضائعون بين الحكام المتغالبين ، وبمقدار استعلاء الحكام يكون الظلم المستمر الذي يعم ولا يخص ، فمن عهد الرومان والرعايا هم فرائس لمغالبة المتحكمين . وإن القرآن الكريم الذي نظم الحكم في الإسلام يدعو إلى أن تحكم الشعوب نفسها بنفسها . وأن الحاكم مسؤول أمام اللّه تعالى ينفذ أحكامه أولا . وأمام الشعوب لا يرهقهم ولا يظلمهم ، ولا يشق عليهم ثانيا . إلا أن يكون في المشقة تنفيذ حكم اللّه تعالى . الإخاء 337 - وقد ابتدأ عمله صلى اللّه تعالى عليه وسلم في المدينة المنورة بإيجاد الروابط التي تربط آحاد الجماعة الإسلامية ، وتكون وحدة تضم بها العناصر المختلفة الأنساب والأماكن . وأن يجعل من ذلك المجتمع المختلف أنسابا وقبائل مجتمعا مؤتلفا في شعوره ، تمحى فيه الفوارق ، والأمور التي تفرق ولا تجمع .